26.6 C
بيروت
يوليو 7, 2020

بعد تسييل العقارات دولارات… تسديد الودائع “سندات”!

بدأت غالبية المصارف اللبنانية نشاطها في خمسينات وستينات القرن الماضي كـ”كونتوارات”مالية تتعاطى العمليات (Transactions) البسيطة قبل ان تجهد وتكدّ لتكبر وتتطور. ويبدو أنها تتجه بحسب ممارساتها، لتنتهي حيثما بدأت. فها هي عاجزة عن القيام بالانشطة المصرفية المنوطة بها وفقاً للمعايير العالمية كما كانت تصوّر نفسها على مدى الاعوام الماضية. كذلك، هي غير قادرة على تسديد التزاماتها تجاه عملائها ومعهم تجاه المصارف المراسلة والمؤسسات الدولية، ما أفقدها الثقة التي حاربت طويلاً لاكتسابها. بذلك، بات دورها يقتصر راهناً على تسليم العملاء مبالغ إعاشاتهم الاسبوعيّة، أي ضمن عمليات “بسيطة”.

وفي خضمّ الدعاوى القضائية التي تواجهها أمام محاكم نيويورك، تستمر المصارف بتجاوزاتها غير آبهة بالقوانين المحليّة. والجديد الآن، بعد نهج تسييل العقارات دولارات، محاولة أحد اكبر المصارف “شفط” ودائع مجمّدة استحقت آجالها بذريعة ان العقد بين الفريق الأول أي صاحب الوديعة، والفريق الثاني أي المصرف يتضمن بنداً تعسفياً ملغوماً يعطي المصرف حرية إعادة الوديعة بالطريقة التي يراها مناسبة.

وقد نصّ الكتاب الموجه من المصرف الى عملائه على التالي: “حيث انكم قد ابرمتم عقداً وتصريحاً معطوفاً عليه، والذي تبقى احكامه صالحة ونافذة، وحيث انكم قد وافقتم بمقتضى العقد انه يعود للبنك بان يسدد لكم بتاريخ الاستحقاق ودون حاجة لتوقيعكم، وفقاً لاستنسابه المطلق، إما نقـداً وإما عـن طريق تمليككم سندات دين بالدولار الأميركي مصدرة من قبل الدولة اللبنانية (بدلاً عن التسـديد النقدي)، لذلك، نود إعلامكم، اسـتناداً الـى العقد، ان البنك اختار ان يسدد لكم عـن طريق تحويل السندات باسمكم على شكل سندات دين بالدولار الأميركي مصدرة من قبل الدولة اللبنانية”. إثر ذلك، علت صرخات المودعين، فالجزء الأكبر منهم لم يكن مطلعاً على بنود العقد الموقّع، ما ادّى الى تلقي المصرف عدداً من الإنذارات الخطية. وعليه تواصل المصرف مع عدد من عملائه محاولاً التفاوض على تحويل 25% من قيمة الوديعة الى حساب جارٍ، من دون ان يتمكن العميل من سحب المبلغ نقداً؛ في حين يُسدد المصرف المبلغ المتبقي من الوديعة على أساس 25% سندات يوروبوندز لاستحقاق العام 2024 مع 5.5% فائدة كل 6 اشهر بالدولار الأميركي. اما الـ 50% المتبقية فتسدد بسندات يوروبوندز لاستحقاق العام 2029 مع 6.5% فائدة كل 6 اشهر بالدولار.

عن الموضوع تشدّد الأستاذة الجامعية د. سابين الكيك على أنّ “المصرف ملزم برد الوديعة بالحالة التي سلّمت إليه. ولا يمكن دحض هذا الموجب بالتذرع بهلاكها أو انقضائها بسبب قوة قاهرة لأنها موضوعة بتصرفه وله الحق باستثمارها. في العقود المذكورة، حيث تحتفظ المصارف بردّ الوديعة كما تشاء أكان ذلك عبر سندات يوروبودز أم سندات خزينة هناك مخالفة فادحة للاحكام العامة ولأحكام قانون حماية المستهلك التي ترعى عمل المصرفي كمحترف، في كل ما لا يتعارض مع طبيعة نشاطه. وهذه البنود هي من البنود التعسفية التي تقع باطلة بطلاناً مطلقاً حسب المادة 21 من القانون عينه. وتوقيع العقد من قبل العميل لا يجعله سارياً ولا حتى ملزماً لأنه من البنود النافية لمسؤولية المحترف، إذ يتضمن تنازلاً عن حقوق العميل المنصوص عليها في القوانين والأنظمة كما يعطي للمصرف، كمحترف وكمدين، الحق الحصري والمنفرد في اختيار وسيلة الايفاء وتحديد التاريخ وطريقة التسديد”.

وتضيف الكيك “وهنا، لا بدّ من الإشارة الى أنّ سندات اليوروبوندز ليست وسيلة من وسائل الإيفاء قانوناً، كونها من السندات التي تُطرح في الأسواق المالية العالمية غير المنظمة، إذ عدا عن انخفاض قيمتها بعد ان اعلنت الدولة اللبنانية الامتناع عن الدفع في تاريخ 23-03-2020 فهي أساساً ليست ذات قيمة فعلية وانما قيمة سوقية ولا يمكن أن تشكل بأي حال من الأحوال ابراءً لذمة المصرف من موجباته تجاه المودع”. إلى ذلك تقول الكيك”لا بدّ من التوضيح أن بعض المصارف تعمد إلى إعادة تجديد عقد الوديعة من دون موافقة صريحة من المودع. ولهذا الاخير الذي يرغب بتحرير حسابه المجمد عند تاريخ الاستحقاق التوجه بكتاب خطي إلى المصرف المعني لإثبات رغبته الواضحة والصريحة بتحويل المبلغ، جزئياً او كلياً إلى حساب جارٍ، أو إقفال الحساب. اما في ما يتعلق بالقيود التي تمارسها المصارف فهي تعطل طبيعة النشاط المصرفي المعتاد، والذي يقضي بأن يؤمن للعميل القيام بالعمليات المصرفية المتعارف عليها لاستعمال هذا الحساب وفقاً لما هو متعارف عليه دولياً، لأن أمر تشغيل الحساب يتم بملء حرية وارادة المودع والبنوك ملزمة بهذا الموجب العقدي والمصرفي”.

في ظلّ هذه المعمعة، من المستغرب عدم تقديم أي دعوى إشهار افلاس بحق المصارف اللبنانية حتى اللحظة. فقد أصبحت كلّ العناصر الفعلية للإفلاس متوافرة لدى هذه المؤسسات حتى ولو لم يُعلن عن ذلك قضائياً، وذلك وفقاً للمادة 4 من قانون التوقف عن الدفع (رقم 2/‏‏67 ) والتي أحالت وضع المصارف الممتنعة عن الدفع إلى المادة 489 من قانون التجارة. وعليه يحق لكل صاحب وديعة التقدم بدعوى إعلان توقف المصرف عن الدفع بعد ان أصبح واقعياً عاجزاً وممتنعاّ عن تسديد الودائع بالعملة التي أودعت بها، رغم الادعاءات المستمرّة من قبل رئيس “لوبي” المصارف الدكتور سليم صفير ان الودائع موجودة وبالتالي لا خوف عليها…
إيفون أنور صعيبي – نداء الوطن

مقالات ذات صلة