18.5 C
بيروت
مايو 30, 2020
خبراء ألمان: لا تصدق هذه الخرافات عن كورونا

بعد “كورونا”… محاسبة المسؤولين آتية لا محالة

لن تنأى أي دولة عن انتشار الفيروس بانتظار مرحلة الانفجار، أي «الذروة» التي تمثّل أعلى مستوى الإصابات والوفيات بـ «كوفيد – 19» المعروف بفيروس كورونا التاجي، لتبدأ بعدها مرحلة الانزلاق نحو أعداد أقلّ من الإصابات، وهو الوقت الكافي الذي سيتيح لقادة الدول اتخاذ القرارات اللازمة للطلب من المجتمعات استعادة الحياة الطبيعية حتى ولو بقي الفيروس موجوداً معنا لأشهر عدة قبل إيجاد العلاج المُناسِب.

وستبقى معايير الإجراءات الاحترازية موجودة والابتعاد الاجتماعي، وخصوصاً لكبار السن والأشخاص ذوي الأمراض الأكثر تأثّراً. ومع ذلك، سيحتاج الاقتصاد لمعجزة لاستعادة نشاطه رغم خسائره الهائلة في العالم أجمع.

وفي 10 مارس الماضي، زار الرئيس الصيني شي جينبينغ مدينة ووهان، ليعلن استعادة السيطرة. وقال: «تم تحقيق النجاح واستقرار الوضع».

لم يقُل أبداً إنه قضى على الفيروس. وتقبّلت طهران أعداد الضحايا وجهّزت نفسها للمستقبل لتصبح قادرة على التعامل مع حالات جديدة من دون الإصابة بالذعر.

وهذا ما سيقرّره القادة الأوروبيون في مايو المقبل (للمصانع المهمة التي تدفع عجلة الاقتصاد) وفي يونيو (للشركات الأخرى). وسيعتمد هذا القرار على بلوغ كل دولة مرحلة الذروة وهبوطها إلى مستوى عشرات من الضحايا بدل الآلاف الحالية.

ليس بمقدور الحكومات تَحَمُّل ضرر التبعات على الاقتصاد، وبالتالي سيتعيّن الطلب من الناس معاودة أعمالهم لتعود الطاقة الإنتاجية. ولن يستطيع السكان التعايش مع أسبوعيْن من الحجر الصحي الذي يتجدّد كل أسبوعيْن لتزداد الأشهر الطويلة حتى إيجاد الدواء للفيروس.

وترتفع الخسائر الاقتصادية لتسجّل فقداناً في الدخل للأسر والأفراد بما يراوح بين 860 مليار دولار و3.4 تريليون دولار عالمياً. وتُقدَّر خسائر شركات السفر بين 30 إلى 60 مليار دولار. أما التجارة والخدمات وتبادُل السلع فقد تخطت عتبة 320 مليار دولار في الربع الأول من السنة.

ويعتمد العديد من الأفراد على دخلٍ يومي، وهناك العديد ممن لديهم مدخرات قليلة جداً أو لا مدخرات أبداً، وقد فاجأتْهم أزمة الفيروس ليُسَرّوا بالعودة إلى أعمالهم والتعايش مع «كوفيد – 19».

وهذا يعود لسبب واضح: لن يكون هناك دواء قبل نهاية 2020 على أفضل تقدير. وتالياً لا جدوى من إبقاء الحجر الصحي طويلاً لأن العلماء أجمعوا على أن 85 في المئة من المصابين لا يدركون إصابتهم أو تظهر عليهم أعراض طفيفة ولديهم مناعة تخوّلهم العودة إلى أعمالهم بأمان لإعادة عجلة الإنتاج.

وبعد انحسار موجة «التسونامي» سيصبح النظام الصحي أكثر فعالية في كل دولة وسيتمكّن من التعامل مع الإصابات الجديدة. وقد استفاد النظام الصحي في كل دولة ليُدْرِك القادة والمسؤولون ضرورة تحضيره لما يخبئه المستقبل.
وسيُطلب من كبار السنّ والمصابين بالسمنة وأمراض القلب والالتهاب الرئوي والذين يتمتّعون بجهاز مناعة ضعيف التقليل من تحرّكاتهم واستقبال عوائلهم بعد أخْذ الاحتياطات اللازمة. وسيتم تطوير الدراسة عن بُعد والعمل من المنزل لشركات عدة، لأن العالم ليس بمنأى عن فيروسات مستقبلية ولأن فرض الحجر الصحي في كل فيروس جديد سيضرب الاقتصاد العالمي ضربةً لا قيام منها.

وقد تقبّل الناس فقدان أحبائهم من الفيروس من دون أن يتواجدوا معهم لخوفهم على حياتهم الشخصية. وفشل النظام الصحي حتى في أرقى المجتمعات الغربية وأغناها. حتى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتبر أنه «قام بعمل جيد إذا توفي 200 ألف شخص بالفيروس».

وبمجرّد انحسار العاصفة، سيرغب المجتمع بمحاسبة قادته الذين فشلوا في التحضير لمواجهة أزمة طبية مماثلة، وخصوصاً أنه تبيّن عجز الدول عن الحصول على اختبارات كافية أو أجهزة تنفس أو غرف عناية فائقة أو أسرّة في المستشفيات أو مراكز اختبار تعمل لمواجهة الفيروسات بسرعة لحماية البشر.
لقد تم تقبّل هذا العجز الطبي أثناء مرحلة الذعر، ولكن حين تنتهي هذه المرحلة سيتعيّن على قادة الدول شرح لماذا تُنْفَق المليارات لشراء الأسلحة وإرسال قوات إلى الخارج للحرب في وقت فشلت هذه الدول بتحصين النظام الصحي والاقتصادي حيال أزماتٍ مماثلة.
وفي السياق، تكشف وثائق الاتحاد الأوروبي أن حكومات الدول الأعضاء أخطرت رئاسة الاتحاد في بروكسيل أن نظمها الصحية جاهزة ولا داعي لطلب المزيد من الإمدادات وذلك قبل شهر تقريباً من تحرك أوروبا على عجل للحصول على أقنعة طبية وأجهزة تنفس وأجهزة اختبار للكشف عن الفيروس.

وأظهرت وثائق داخلية وأخرى معلنة اطلعت عليها «رويترز»، أن الحكومات ربما تسببت في ازدياد الأزمة سوءاً بالمبالغة في قدرتها على احتوائها. وخلال اجتماع مغلق في الخامس من فبراير الماضي، أكد مسؤول في المفوضية الأوروبية أن «الأمور تحت السيطرة».

أوروبا لن تنقسم، كما هي الحال أثناء أزمة «كورونا»، إلا أن هذه المرحلة قد تسبّبت بأضرار جانبية. وتعلّمت الدول، مثل إيطاليا، أن روسيا والصين ليسا بأعداء.

وقد سارعت الدولتان، وأيضاً كوبا، لمساعدة روما رغم أن إيطاليا تفرض عقوبات على موسكو. وفشلت أميركا، الدولة العظمى، في القيام بدورها في أوقات الذروة لتساعد «القارة العجوز» إلا في وقت متقدم. وكذلك انتظرت فرنسا وألمانيا أسابيع قبل تقديم المساعدة لإيطاليا التي تُركت وحدها في «عين العاصفة».

خرجت الصين وروسيا منتصرتيْن. فقد شوهد بعض الإيطاليين يستبدلون العلم الأوروبي بالعلم الصيني. ولا تقدّم بكين نفسها كبديل للهيمنة الأميركية ولكن كشريك إستراتيجي. وفازت روسيا بقلوب الإيطاليين لإرسالها 100 عالِم فيروسات وأطنان من الأدوية والكمامات من دون أن تطلب من روما رفْع العقوبات عنها.

في مقابل ذلك، لم تساعد أميركا القارة الأوروبية في الأسابيع الأولى وفرضت عقوبات جديدة على إيران وسط ذروة انتشار الوباء، وعرضت مكافأة قدرها 15 مليون دولار لمَن يساعد بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهدّدت بالحرب على القوات الأمنية العراقية. وأثبتت الإدارة الأميركية عدم قدرتها على التعاطف تجاه الإنسان عندما ينتشر فيروس لا يميّز بين الدول والبشر.

لن يتوافر ترياق قريباً. ولا شك في أن الحكومات تعلّمت درساً لمقاربةٍ مختلفة تجاه النظام الصحي في المستقبل. وستتغيّر التحالفات الدولية ولن تكون الهيمنة الأميركية مثلما كانت قبل الفيروس، لأن ما قبل «كوفيد – 19» ليس كما بعده. وسيبقى «كورونا» بيننا لنتعايش معه وهو ينتظر بصمت لأشهر طويلة وسنوات مقبلة إذا تعدّلت تركيبتُه.

المصدر:الراي الكويتية

مقالات ذات صلة