29.4 C
بيروت
أغسطس 8, 2020

مشهديّات من عوالم مولاي بعيداً عن جحيميّات عوالمي

عامان ونصف على اللقاءِ الأوّل.
عندما، بملائكيّةٍ من شغفٍ معتّق بمواكب من فراشاتٍ بألفِ لون ولون، أطلّيْتَ.
بأسرابٍ من طيور عاشقة احتشدت وآهات من هيام بلابل لا تعجز عليها الترانيم.
بالطيب وذهولِ النعاج.
بتغريدٍ من حفيفِ السنابل.
برذاذٍ من وجْدٍ كلّل عينيّ أمّك داليا وقد بالقناديل حضنتكَ تسعة.
بوشاح من صَبٍّ مقدّس خاطه والدك جاد رداءً لكَ.
بصلواتِ قيثارةٍ رفعتها جدّتك صونيا بخّوراً وأريجاً عمّ الروابي والسهول.
بحنوِّ شدوِ خرافٍ جمع لكَ عمّك رواد وعمّتك يارا رزماً من القشِّ لمزودِكَ.
وإذ لم يتجاسر عليّ النوم ذلك الليل في ذلك اليوم المهيب، سامرتُ البدر في أمسيتِكَ الأولى، وقلتُ، لا بأس أن تتأوّه النجوم. أن تئِنّ. أن تتلوّى. أن تشهق. فأنتَ حبٌّ. لأنكّ بالحبِّ وُلِدْتَ. وبالحبِّ نثرتَ على دنياي باقات من عصافير لا تملّ من أناشيد الحياة.

لم تكن قد بلغت السادسةَ من أشهُرك الأولى بعد. رحتُ أتأمَّلُ بانشغالٍ بانهماكٍ بانغماسٍ بإعجازٍ بدَهشةٍ بتَعَجُّبٍ باستِغرابٍ وانبِهارٍ، كم أنت مأخوذٌ بالكتابِ. مُوَلَعٌ بالكتاب. مُتيّمٌ بالكتابِ. مفتونٌ بالكتابِ. مسحورٌ بالكتابِ. مُغرمٌ بالكتابِ. أنا أنطوان بن داود بن عقل العويط الذيّ، بانشغالٍ بانهماكِ بانغماسٍ بإعجازٍ بدَهشةٍ بتَعَجُّبٍ باستغرابٍ وانبهار، مأخوذ مُوَلَعٌ مُتيَمٌ مفتونٌ مَسْحورٌ مُغرمٌ بطفولتِكَ. سيّدي وأميري ومولاي بيتر العويط.

في سنتِكَ الأولى كنّا نتحادث بحروفٍ طفوليّة، لما لبّيْت دعوتكَ إلى مشهديّات من عالم آخر. تبادلنا عظيم الأسرار وأخطرها. استوطنّا مكنونات القلب بأراجيح من شجر الحور. بسنجاب لا يستكين. بضفدع ثرثار. بأهازيج وجداول وورود…ولا يصدّق أهل بيتي أنّنا نفعل. أقسم. فيعيّروني بالجنون. كنتَ تبتسم وتسرّ في أذني: غداً يدركون. دعنا نسترسل في نعيم تخيّلاتنا وبالظمأ نستسلم لشمعةٍ تضيء ليالينا، حيث لا أرنب تستهويه جزرة النوم ولا حكايات النجوم.

لم تعتب عليكَ أوراق الدفاتر بالخربشات في سنتكَ الثانية. وكلّما صدَحتُ لكَ بأغنيةٍ عن قرشٍ من هنا ودلفين من هناك أو أسماك من هنالك، كنتَ تبتسم لي وتطلب أكثر وتصرّ. ولم أتردّد. أزيد كنتُ عن العجوز مكدونالد ومزرعته. عن قرود تتدلّى ودببة وأوزة وبقرة وحصان. وعن الطفل والعصفور، البريء ببياض الكلمة ودمّ الشاعر، الذي عندما ينشدُ يخترعُ الحبّ، لأجلِ أن تعتمرَ الحياة لباس العيد، وأن يتحوّلَ الليلُ إلى نهار.

عامان ونصف على اللقاءِ الأوّل.
المعطّرُ بشذى الأكمّات. بعبق ندى الربيع. بتيه حبّي. بجنائن من الأضواءِ والألوانِ المعلّقة. بكروم من التوت ودوالي العنب. بغيمةٍ على بساط ريحها نطير فوق النواحي، لنضحك ولنلهو، فتزهو الحياة.
ولمّا استدعتكَ الغابة القريبة سيّدي وأميري ومولاي، مسكتَ بيدي لتحصدَ أكواز الصنوبر. لتجمعَ باقات من أزهار بنفسجيّة مطعّمة بكوكليكو أحمر، صرّة لأمّك داليا وأخرى لجدّتك صونيا. ناديتَ والدك جاد وعمّك رواد لينصتا معكَ إلى السمفونيّات الصاعدة من هديل أوراق الأشجار، وعمّتك يارا وبعظيم من الأنس لتراقب معكَ انسياب القارب في بحرٍ هادئ مغناج.
بالطفلِ الذي هو أنتَ وأنا كنّا نشرد نسرح نستأنس نسترغس حيناً، وننهمكُ ننكبُّ نفتّشُ نبحثُ عن مخبأ السلحفاة حيناً آخر. وعند العودةِ كانت شتول من أعمارٍ تنتظرُنا لنجعلَها حنطةً في التربة.

هي مشهديّات من عوالم سيّدي وأميري ومولاي بيتر العويط الذي ينشلني يوميّاً من جحيميّات عوالمي. هو الذي ومعاً، بالقلم نعاهد على سراطنا العائليّ، تكريم المرأة وتقديسها بالحبّ. ومعاً، من أجل الذين لم يعرفوا يوماً أحوال الهواء والنسيم والحدائق، ولن…ولا سحر أشعارنا الهاشلة بلا هوادة، كنّا نشبك بالوارف من طيب الأرز خفقات قلب العائلة، لنخرج من جهنّم ما هم عليه إلى جنّة ما يستحقّه لبنان وإنسانه في هيام وطن إلى الأنهار.

كم مُعْتِمٌ هو البؤس، الرجال والحرب. أولئك يظنّون يملكون عرشَ الزمان. خسِئوا. أرض الحبّ لا يحدّها زمن أو مكان، لدى من يملكون قلبَ طفلٍ. وإذ أغنّي البراءة في الزمن اللبنانيّ المجبول بعبثِ التحلّل حتى الثمالة، أعترف. لِكيْ أصنع لكَ من عمري مرجاً. ولِكيْ أوقظ في ذاتي الطفل الذي هو أنتَ الطفل بيتر. ولِكيْ بنافذةٍ من أجنحةٍ ملائكيّة نغمر البلاد بالأمل فتقوى على الموت وتصدح أيامنا بالحبّ والسلام. بقليل من كرامةِ رغيفٍ وقليل قليل من حياة.

وها أنا بيتر جاد العويط أقول أمام هول شبح الجوع يلوّح على محيّا أقراني. بئس زمن يرتفع فيه أنين الأطفال، وتأوّهات الثكالى، ووجع المرضى، وبطالة الشباب، وتشرّد العجزة. وإزاء قلق أمّي داليا وأبي جاد ووجوم جدّتي صونيا وعمّي رواد وعمّتي يارا، ومع تعاظم النزف والضيق والقلّة والفقر، أنا بيتر العويط أصرخ: لا تخافوا. الله معكم. الله محبّة. الله أكبر.

بقلم أنطوان العويط

مقالات ذات صلة